مساحة إعلانية

الرئيسية مقال رائع لايفوتكم - الشمس والكون
الرئيسية / / مقال رائع لايفوتكم - الشمس والكون

مقال رائع لايفوتكم - الشمس والكون


أثر الشمس في الكون


أحمدك يا بارئ النسم، ومبدع الكون من العدم، وواهب الأمم جزيل النعم ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ﴾ [الرعد: 2].

نشهد أن لا إله إلا أنت، ملأت الكون على الإنسان نعمة وخيراً، وأوسعته بفضلك تكرمة وبراً، وأنت الرءوف الرحيم، ونشهد أن سيدنا ومولانا محمداً عبدك ورسولك وهبته النفس الكبيرة والعين البصيرة فكان لك ذكوراً شكوراً، فصلواتك اللهم وسلامك عليه، وعلى آله النجوم النيرة، وأصحابه العصبة الطاهرة، وأتباعه الكتيبة الظاهرة؛ أولئك حزب الله. ألا إن حزب الله هم الغالبون، ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 110].

يا أتباع محمد عليه السلام..
يقولون: إن كل ممنوع مطلوب، وكل مألوف غير مرغوب، وإن النعمة الجميلة العظيمة إذا باتت في يد الكل فقدت روعتها؛ وأصبحت من شيوعها وذيوعها معروفة مألوفة، لا يلتفت الناس إليها ولا يحتفلون بها؛ وهذا جد صحيح، فما أكثر نسيان الإنسان؛ وإنك لتجد مصداق ذلك في موقف الناس من مظاهر الطبيعة الرائعة الشائعة؛ كلون السماء الأزرق مثلا الذي هيأه الخلاق وأبدعه بصورة لا تمل العين من إدامة النظر إليه: وهناك أيضاً الأسرار والعجائب المستورة والمتبدية في الماء والهواء والخضرة والضوء؛ قل من يعكف عليها دارساً مستنبطا، أو معتبرا متدبرا؛ ومن هنا ضعفت روح اليقين والإيمان؛ واستأسدت نوازع الغفلة والكفران؛ وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون؟!.

ومن أمثلة ما ضاع تأثيره في عامة الناس لأنه شاع، مع أنه من جليل الآيات ونفيس المتاع، تلك الشمس الكبرى التي نراها في الصباح والمساء؛ وفي ساعات النهار المتباعدة والمتتابعة؛ فقد جنت رؤيتنا المتكررة لها على جلالها وسلطانها، فأصبحت كالكنز الثمين ألقى في طريق الناس؛ ولكنهم يمرون عليه وهم عنه غافلون.

هذه الشمس السامقة العالية هي مصباح الله في كونه العريض المديد؛ جعلها الله سراجا لعباده. تبدو فوقهم من مستقرها الرفيع بضخامتها التي لا يتصورها عقل الإنسان؛ فتنير المسالك وتبدد الغياهب؛ وتجلو ضحوة النهار، وتفيض على القمر المعتم بالأشعة الأنوار، فيهدى بفضلها الحائرين ويسدد بمددها خطوات السارين، وتتبدى بذلك في السماء والأرض صورة لا مماثل لجلال البديع الخلاق، مما يفضى بمتأمله إلى الاستقامة والسداد:﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا *... ﴾ [الشمس: 1 - 10]. ولو ذهبنا نفصل الحديث عن حجم الشمس وعلوها، وبعد المسافة الهائل بيننا وبينها، وكيف تنبعث الأشعة عنها، وكيف تشمل هذه الأشعة الوسيع من البقاع والأصقاع، لانبهرت العقول وتضاءلت الفحول!.

والشمس هي مصدر الحرارة الإلهية، تبزغ من خدرها على العالم الراكد الآسن البارد، فتحركه وتثيره وتجففه، وتنأى به عن الوصب والعطب، ولست أدري ماذا يكون حال الناس عند الشتاء والصقيع وبرودة الجو. لو انعدمت الشمس فلم تطلع عليهم من حين لحين، لتمدهم بجانب من الدفء والحرارة، تتهيأ به الأحياء لمواصلة السير في مختلف الأنحاء؟.. وليس هذا فحسب، بل إن الجو الرطب العفن الملوث تتفشى فيه الجراثيم والديدان والحشرات والميكروبات، وإن استتر ذلك عن العيون والأبصار، فإذا ما مدت الشمس خيوطها البيضاء كانت كأنها أنامل الطبيب الحازمة، تطهر لتعمر، وتبتر لتثمر، وتقضي على الداء وحملته بلا إبطاء!..

والكثيرون منا يتأففون ويتضجرون ويشكون من حرارة الشمس إذا قست، مع أنهم يستطيعون التحفظ منها في أغلب الأحيان بغطاء أو وقاء، ثم يحسبون هذه القسوة في الحرارة شراً، وما ذلك إلا لأنهم يحكِّمون نفعهم الذاتي ومصلحتهم الشخصية في أمر عام، فهذه الحرارة القاسية نفسها هي التي تطهر الأجواء من الفساد، وهي التي تنضج النبات الخارج من الجماد، وهي التي تجذب إلى الجو ما تستخلصه عذبا من مياه البحار والمحيطات ليكون مطراً بعد ذلك؛ ثم يبقى ما ينفع الناس في الأرض مما فصلته عن تلك المياه، وهي التي تؤثر في نسيم البر والبحر المترتب عليه كثير من المصالح والأمور والشمس في الوقت نفسه تؤدب بحرارتها من يصطلي بها، فتعلمه ضعفه وتقفه على عجزه، وترمز له إلى هول ما سيلقاه من حر السعير إن كان من الضالين، وفي كل هذه آيات وعبر ونعم بعضها منشور وأغلبها مستور، ولعل القرآن الكريم يشير إلى هذا ومثله حين يقول:﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم: 33 - 34].

والشمس بجريانها ودورانها هي التي تكِّون بأمر الله تتابع الليل والنهار، وتوالي الظلمة والأبصار، فهي تطلع هنا فيكون صباح وإشراق وضاح، بينما ترحل عن هناك فإذا فيه ظلام وإعتام، وفي كلتا الحالتين إنعام وإكرام، فالنهار معاش ومجال للكدح والاكتساب، والليل لباس وسكن ورقاد، ومن هنا كان إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل آية عظمى يمن الله بها على عباده فيقول:﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ [يس: 38 - 40].

ودورة الشمس هي العماد في الحساب وضبط الأوقات، وتلف الشمس حول الأرض أو تلف الشمس حول الأرض لغة ظاهرية كاملة، فيتم بذلك عام من حياة الناس، وتنتقل من فلك إلى فلك، فتبدأ الفصول أو تنتهي، وتشرق فيبدأ النهار، وتغرب فينتهي النهار ويبدأ الليل، فإذا عادت إلى الإشراق مرة ثانية فقد تم بذلك يوم كامل.

ونحن نحدد بها أعمالا جليلة تتخلل اليوم نفسه كالصلاة مثلا، فبشروقها ينتهي وقت الصبح، وبزوالها يدخل وقت الظهر، وبتصييرها ظل الأشياء مثلها أو مثليها يدخل وقت العصر، وبغروب قرصها يدخل وقت المغرب، وبزوال ما يتخلف عنها من شفق يدخل وقت العشاء، وهكذا... وحينئذ فما أبلغ القرآن حين يقول:﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [يونس: 5].

ولو شئنا لأطلنا الحديث أيضا عن أشعة الشمس وخصائصها في تنمية الأجسام وتقويتها، وشفائها لكثير من العلل والأمراض، وبنائها للأجسام الفئية المنسقة ثم إيحائها من جهة أخرى بالحرص على العلو فهي في منتهى السمو والارتفاع، وبتحريضها على الصفاء فإننا لا نرى فيها كلفاً ولا دخنا، بل هي المثل في الوضاءة والنقاء، وكيف لا تكون منيرة العالم كله مثلا في النور والبهاء؟!.

يا أتباع محمد عليه السلام..
تلك بعض آيات الله في الشمس التي لا تحجب عن دنيانا يوما من الأيام، والتي نحس بها على الدوام، ومن هنا تعرفون ما لها من جلال وجمال وخطورة شأن، ولسنا ندعوكم بهذا إلى عبادتها أو تقديسها، فقد قال القرآن:﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾[فصلت: 37].

وإنما ندعوكم إلى أن تخصصوا من أعماركم لحظات أو فترات تولون فيها وجوهكم شطر الطبيعة محراب الله الواسع، لتدركوا آثارها الباقية ومظاهرها الخالدة، فمن وراء ذلك علم واكتشاف، واكتساب وارتشاف، ومن وراء ذلك إيمان ويقين، ونور مبين فسيروا وانظروا، وفكروا واعتبروا، إنما يتذكر أولو الألباب، و اتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون، إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سلوا ربكم التوفيق يستجيب لكم.



شارك المقال
إرسال تعليق
جميع الحقوق محفوظة لــ مدونة كل العرب 2018 © تصميم كن مدون